الصراع على السلطة في سورية من 8\3\1963 الى 23\2\1966

 جزء من مذكرات غير منشورة للسيد شبلي العيسمي

 

الحلقة السادسة : نقاط الخلاف بين القيادة القومية للحزب واللجنة العسكرية

نظراً إلى انها تعكس الأبعاد الحقيقية لهذه الأزمة ولجوهر الصراع على السلطة فاننا نعرض هنا أهم ما ورد فيها وفق النشرة الصادرة بتاريخ 17/12/1964م (1) .

ففي القرار الأول وضحت المنطلقات الأساسية فاعتبرت الحزب هو الأساس ويتمثل في مؤتمراته وقياداته ولا يحل محله فرد ولا كتلة ولا الدولة نفسها ولا أي جهاز من أجهزتها . والحزب كتلة واحدة تسمح باختلاف الرأي ولا تسمح بالتطاحن والتخريب وليس في الحزب مدنيون وعسكريون بل حزبيون عقائديون ملتزمون . كما أكدت في هذا القرار على أولوية الحزب بالنسبة للدولة والجيش وعلى أهمية الانضباط الحزبي والتسلسل والالتزام بتعاليم الحزب وقيمه وطاعة القيادات الدنيا للعليا ، كما أدانت التكتل والتفريق بين مدنيين وعسكريين وحددت صلاحيات كل من المؤسسات الثلاث الحزب والدولة والجيش . ثانيا : قررت القيادة القومية بوصفها أعلى سلطة شرعية في الحزب ، تثبيت مبدأ الفصل الكلي بين الجيش والعمل السياسي على جميع المستويات . وتثبيت مبدأ وحدة التنظيم الحزبي بشقيه المدني والعسكري ( فاز بالإجماع 11/11 ) وهذا يعني إلغاء تنظيم اللجنة العسكرية المستقل ودمجه بالحزب ووضعه تحت تصرف قيادته  الشرعية . وتطبيقاً لذلك استبدلت اللجنة العسكرية بمكتب للقيادة القطرية كأي من مكاتبها . (القرار الثالث) : وقررت الأخذ بمبدأ تعيين موجهين سياسيين في الجيش يتلقون التوجيه من القيادة القطرية . (القرار الرابع) : وفي القرار الخامس يمثل الرفاق العسكريون في المؤتمر القطري كأعضاء مراقبين بنسبة لا تتجاوز 10% ويستثنى قائد الجيش ووزير الدفاع إذا كانا حزبيين حيث يعتبران عضوين طبيعيين في المؤتمر ، وفي القرار السابع . يخير العسكريون بين بقائهم في الجيش وبين ممارسة المهام السياسية في الحكم أو قيادات الحزب وينفذ خلال شهر ( فاز بنسبة 10/11 ) . ومن الملاحظ ان هذين القرارين يعالجان طغيان العسكريين في المؤسسات الحزبية والسياسية ، فضلاً عن توكيدهما لمبدأ الفصل بين الجيش والعمل السياسي . وفي القرار الثامن يمنع الجمع بين أكثر من منصبين أساسيين من المناصب التالية ( القيادتين القومية والقطرية ومجلس الرئاسة والوزارة وقيادة الجيش ) . وفي القرار التاسع تحدد القيادة القومية نسبة لا تتجاوز ربع أعضاء القيادة القطرية الذين يسمح لهم بالاشتراك في مهام الحكم . وفي القرار الحادي عشر تؤكد القيادة القومية على مبدأ فصل السلطات التنفيذية والتشريعية . ( وفي هذا التزام بمبادئ الحزب وتطمين للشعب الذي يتطلع للديمقراطية ) وفي القرار الثاني عشر تقرر عدم الجمع بين المجالس المختلفة كمجلس الرئاسة والوطني ومجلس الوزراء ، ومن الملاحظ ان هذه القرارات الأخيرة هدفت إلى منع تجميع السلطات والمسؤوليات في أيدي أفراد قلائل كما كان واقع الأمر . ولمنع التفرد والديكتاتورية ، ولكي يتحرر الحزب من هيمنة العسكريين . وفي القرار الرابع عشر توصية بتوسيع المجلس الوطني على ان يتمثل العمال فيه عن طريق الانتخاب . وهذا يعني تقليص العمل المحصور بين أربعة جدران ، وتحقيق الانفتاح على الجماهير والخروج من دوامة المناقشات في الغرف المغلقة . ويكمل هذا الهدف ما ورد في القرار الثامن عشر عن إصدار بيان للشعب حول نتائج الدورة الاستثنائية للقيادة القومية والخطوات الجديدة التي ستطبقها . وفيما يتعلق بأجهزة الأمن تقرر ان يأخذ كل جهاز دوره الطبيعي . وفي القرار 19 نص على تجميد نشاط القيادة القطرية القيادي وتكليف لجنة قومية لقيادة الحزب في القطر السوري تحت إشراف القيادة القومية إلى حين انعقاد المؤتمر القطري القادم . وأخيراً قررت القيادة القومية ان تقوم بزيارات لجميع الفروع العسكرية والمدنية بعد دورتها الاستثنائية . وعمدت لإصدار النشرات الحزبية لتوضيح حقيقة الأزمة وأبعادها وأهمية الحلول التي وضعت لها ، لكي تكون قواعد الحزب على بينه مما جرى وتصبح أكثر استعداداً للدفاع عنها والعمل على تطبيقها . ومن التعليمات اللاحقة والمعززة لتلك القرارات ، انها منعت تعيين أي عضو في قيادات الفروع بصفته الوظيفية ( كالمحافظ ) ومنعت حضور الوزراء في المؤتمرات الحزبية إذا لم يكونوا منتخبين من قواعد الحزب . وتشكلت لجنة خماسية قوامها ثلاثة من القيادة القومية وهم شبلي العيسمي ومنصور الأطرش وعلي غنام ثم اثنان من القيادة القطرية للإشراف على الانتخابات .

والحق ان هذه القرارات أشرت معرفة حقيقية بأبعاد الأزمة ، ووضعت الحلول الجذرية الملائمة . ولو أتيح لها ان تخرج إلى حيز التطبيق لأنقذت الحزب والحكم مـن أزماته التي تلاحقت فيما بعد . غير ان هذه المعالجة جاءت متأخرة بعض الوقت ، كما ان القيادة القومية لم تكن تملك في تلك الفترة سوى الكلمة المخلصة الواعية، والسلطة الأدبية التي أصابها الوهن والضعف لكثرة ما نالها من تجريح وتشويه . وبالتالي فقد افتقرت إلى القوة التنفيذية القادرة على تطبيق قراراتها آنفة الذكر بالسرعة والدقة المطلوبتين ، ومع ذلك نستطيع القول ان القيادة القومية أخطأت بتراجعها عن هذه القرارات بعد خمسة أيام من إصدارها . وتأجيل البت بها إلى المؤتمر القومي القادم . ولو صممت عليها لما كان بمقدور العسكريين المعارضين لها ان يقوموا بانقلاب ضدها وهم منقسمون على بعضهم كما تبين في المؤتمر العسكري الذي انعقد بعد فترة وجيزة . ثم ان هيبة الحزب وتقاليده ومبادئه كانت لا تزال مؤثرة إلى حد بعيد بقواعد الحزب ويصعب على قسم من العسكريين ان يتحدوها ما دامت معبرة عن مصلحة الحزب والثورة ، فضلاً عن ان تهديداتهم بالتخلي عن مناصبهم في الحزب والحكم والجيش ( حيث نزع بعضهم رتبته العسكرية ورماها أمامنا ) ما كان لها ان تطبق إلا في نطاق محدود لا أهمية كبيرة له فيما لو نفذت . بالإضافة إلى انهم فيما أرجح لن يقدموا عليها لانها كانت ستؤدي إلى انهيار الحكم الذي تصيبهم شروره قبل غيرهم . وإذا لاحظنا ان تلك القرارات اتخذت بالإجماع وبعضها باعتراض أو استنكاف عضو واحد فقط ، تبين لنا الثقل المعنوي والحزبي الذي تميزت به ، والاحتمالات الكبيرة في إمكانية تطبيقها لو لم يتم التراجع عنها . وكان ميشيل عفلق نقطة الضعف الأساسية في مسألة التراجع بحكم مسؤوليته الأولى كأمين عام ولثقله التاريخي في حياة الحزب كمؤسس . أضف إلى ذلك ان كوادر الحزب ومندوبي المؤتمر القطري أنفسهم كانوا من المؤيدين لها ولكنهم ما لبثوا ان وقعوا تحت تأثير الخوف من انهيار الحكم كما حدث في العراق ، فدعم أكثرهم بقاء القيادة القطرية والتراجع عن حلها والانتظار إلى حين انعقاد المؤتمر القطري وانتخاب قيادة جديدة . 


(1) أنظر نضال البعث الجزء العاشر دار الطليعة بيروت طبعة أولى أكتوبر 1971م صفحة 179 وما بعدها .

 

الراصد العربي : تاريخ النشر 16\11\2006

 
 

الراصد العربي غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.
المقالات المنشورة في هذا الموقع لاتعبر بالضرورة عن رأي الراصد العر بي.