قضايانا.. وصهاينة البيت الأبيض - عبدالعال الباقوري

هل من حقنا نحن العرب، أو من حق فريق منا على الأقل، أن نتوجَّس بل أن نوجس خيفة من وجود عناصر صهيونية صريحة في داخل الإدارة الأميركية، خصوصا حين تشغل هذه العناصر مراكز مؤثرة؟ وهل نكتفي بالسعادة والسرور والحبور لانتخاب أوباما بما يمثله من تغيير في الداخل الأميركي ومن صحوة لضمير الشعب الأميركي؟ وهل نخطئ حين نركز على قضايانا ولا نلتفت إلى ما يحمله الرئيس الأميركي المنتخب من آمال بالتغيير بالنسبة لقضايا أخرى؟
هذه الأسئلة لا تأتي من فراغ إنها مبنية على كتابات متناثرة في صحف عربية كثيرة وبأقلام مؤثرة لا يملك المرء لها إلا التقدير والاحترام بصرف النظر عن آراء آخرين فيهم.
وما من شك في أن اختيار الرئيس المنتخب لمنصب كبير موظفي البيت الأبيض شخصية مثل ''رام عمانويل'' قد أثار ومن الجدير أن يثير تساؤلات كثيرة في دوائر عربية مختلفة، خصوصا أن ''عمانويل'' هذا ليس شخصية مغمورة، بل شخصيته لها آراء ومواقف وتوجهات معروفة جعلته صهيونياً ابن صهيوني باعترافه واعتراف أبيه وبشهادة الإسرائيليين والصهاينة أنفسهم. ومن البلاهة سياسياً وفكرياً، أن نتغافل عن هذا أو أن نتجاهله، خصوصا وأننا اكتوينا بناره منذ بدأت عملية التسوية إلى اليوم ولم يحتج أي عربي. وفيما أعلم وفيما قرأت - ضد ''عمانويل'' بدعوى أنه ''يهودي''. الاحتجاج مبعثه وأساسه أنه صهيوني خالص، وهو لا يخفي هذا ولا يداريه. وزاد الطين بلة أن عمانويل هذا ليس الصهيوني الوحيد حول أوباما. إنهم كثيرون، ومؤثرون، وفاعلون. وقد يفيد، في مثل هذا الحوار، أن نقف عند واحد منهم، هو دينييس روس، أحد أبرز مستشاري أوباما في الشؤون الدولية أثناء الحملة الانتخابية، وصاحب الخبرة الطويلة في ملف التسوية العربية - الإسرائيلية منذ عهد جورج بوش الأب الجمهوري وبيل كلينتون الديمقراطي. يبرز اسمه اليوم بين المرشحين لتولي منصب وزير الخارجية في إدارة أوباما، أي أن ''روس'' شخص له سوابق ووراءه تاريخ، فضلاً عن أن مواقفه وآراءه معلنه وليست مستترة، من خلال مذكراته وكتابه عن ''فن الحكم''. وفي هذا الكتاب فصل يفيض دهاء صهيونياً في كيف تتعامل أميركا مع الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني[1] ويستحق الكتابان قراءة خاصة متأنية وعميقة لقياس دور ''روس'' في عملية التسوية باعتباره المنسق الأميركي الخاص - لعملية السلام في الشرق الأوسط، مع مقارنة رؤيته وروايته للأحداث مع روايات وشهادات وتحليلات آخرين ممن لعبوا دوراً في هذه العملية التي يجب أن نحتفظ لها بالاسم الصحيح وهو ''عملية التسوية''. ومن يدري فقد تأتي مناسبة لذلك إذا تقلد روس منصب وزير الخارجية. وفي هذه المرة، أكتفي بشهادة أحد الذين تعاملوا مع روس وعرفوه عن قرب وخبروا دوروه، وهي شهادة تعكس كيف يؤثر الصهاينة من مواقعهم في صياغة سياسة أميركا الخارجية تجاه القضايا العربية، وعلى رأسها بالطبع قضية فلسطين. شخصيا لا أرى أنهم يصنعون هذه السياسة بل يؤثرون في صياغاتها وتشكيلها وتطبيقها فقط، وفي إطار حديثهم عن تحقيق للمصالح الأميركية[2].
والشاهد الذي أعنيه هو أحمد ماهر وزير خارجية مصر السابق، والدبلوماسي الذي شارك في مفاوضات التسوية منذ ''كامب ديفيد'' في 1978 وقبلها إلى سنوات قليلة مضت. والرجل لم يدل بشهادته كاملة بعد لكنه كتب مقالتين عن السيد ''روس''، تحمل إحداهما عنواناً مباشراً هو ''رسالة إلى دينيس روس.. جنون البقر وغيرهم''. والمقال كانت له مناسبته عند كتابته ونشره، وهي ذات شقين: الشق الأول هو خروج روس من منصبه في عملية التسوية، والشق الثاني هو نشوب الانتفاضة الثانية، التي عرفت باسم انتفاضة الأقصى والمقدسات[3].
إن رسالة/ شهادة أحمد ماهر مهمة إلى أبعد الحدود لمضمونها وكون صاحبها رجلاً متحفظاً، ولم يمنعه تحفظه عن أن يقول، أعنى يكتب ما يلي مخاطباً روس.. ''اتضح أن عملك تحت رئاسة جيمس بيكر وفي إدارة بوش (الأب) كان يفرض عليك أن تتجنب بعض الشيء ما عرفت به من تعاطف مع إسرائيل، وأن تعطى الأولوية للقدرة على الموضوعية النسبية التي اتسمت بها مواقف بوش وجهود بيكر. أما الوزير الجديد (وزير الخارجية الأميركي) وارن كريستوفر فقد يكون متميزاً ببعض صفات الفارس النبيل، ولكنه يفتقد السيف والحصان، فترك لك الحبل على الغارب، فظهرت على السطح، المشكلة التي اعترفت بها وهي تعاطفك مع إسرائيل.. ربما لأنك يهودي، وربما لأسباب أخرى إذ أني عرفت يهوداً كثيرين أقدر على الموضوعية أما أنت فاتضح أن نقطة البدء لديك ما هو الأفضل لإسرائيل، وما الذي تستطيع الحكومة الإسرائيلية أن تقبله دون أن تسقط. وقد استطعت، في أحيان كثيرة، للأسف، أن تنقل هذا المعيار إلى الرئيس كلينتون فيتغلب على موضوعيته وحسن إدراكه للأمور وتفهمه الفطري لحقيقة الأوضاع، لكنه لحسن الحظ كان يعود أحياناً إلى موقفه الحقيقي الجدير بالاحترام''.
إن ''روس'' كوسيط أميركي سعى وعمل من أجل تحقيق تسوية أو ما يسميه السيد أحمد ماهر ''السلام''، ولكنه أي سلام، يخاطبه ماهر قائلاً ''إنه السلام كما تراه إسرائيل، فلا تخطو بعد خطوات قد تكون طيبة إلا في حدود ما يرى رئيس وزراء إسرائيل، أيا كان اسمه، قبوله، وبعد ذلك ففي رأيك أن الفلسطينيين عليهم أن يقبلوا ما يعطى لهم شاكرين لأنه على أية حال (في تقديرك) أفضل مما هم فيه، وأنه ممنوع عليهم أن يتطلعوا إلى أكثر منه، مما تتطلع إليه الشعوب. وفي إطار هذا الفكر الأميركي الملوث بالفكر الإسرائيلي الذي يتحرك بين قطبين كلاهما متطرف، تلاشت في جهودك الشرعية والعدالة والقرارات الدولية وزادت الشكوك لدى كل من يتطلعون إلى السلام الحقيقي المستند إلى العدل والحق وطغى إحساس لدى الكثيرين بأن الهدف الأساسي ليس سلاماً عربياً إسرائيلياً بل سلام إسرائيلي قائم على السيطرة والإملاء وأن المطلوب هو ضمان رضوخ المظلوم للظالم وتطبيع العلاقات معه وقبوله كصديق وشريك''.
يكفي الاستشهاد بهذه السطور من هذه الشهادة المهمة من دبلوماسي عربي كبير- ليس من المتطرفين ولا الرافضين للتسوية، ولا حتى من ناقديها في العلن. ولعلي أتذكر أنه كتب هذا المقال في الفترة التي غادر فيها من منصب سفير مصر في واشنطن وقبل أن يتقلد منصب وزير الخارجية، ولعل هذا ما أدى إلى أن يدلي بهذه الشهادة المهمة عن روس، والتي تنطبق على أي روس آخر في أية إدارة أميركية، ولو كانت إدارة أوباما الذي يقال حالياً إنه يقلب في ملف ''رام عمانويل'' ومدى علاقته بالموساد، أي جهاز الاستخبارات الإسرائيلي[4]

الوقت البحرينية : 19\11\2008

 
 

الراصد العربي غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع .
المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الراصد العربي .